رسالة شخصية مفتوحة الى اصحاب المعالي في العراق من ذوي السلطة الادارية والدينية والحزبية والاجتماعية والعشائرية وكل العراقيين الخيرين
بسم الله الرحمن الرحيم
اخوتنا الاعزاء في العراق بعد التحية والاحترام ، يا أخوتنا في الدين ، وهو الحبل المتين ، بغض الطرف عما يفصل بيننا من دواعي واسباب اخرى مثل اللغة والبيئة والجغرافيا والتاريخ والتراث والعادات والتقاليد واسباب اخرى ، اختار الكرد البقاء مع بقية المكونات في هذا الكيان الذي يسمى بالعراق بعد سقوط صدام واحتلال العراق من جانب امريكا ناسيا كل المآسى والويلات والمصائب التي تعرض لها الكرد تحت راية العراق ، في وقت كانت الفرصة مواتية للانفصال في ظل الاحتلال الامريكي للعراق ، لكن فضل الكرد البقاء ضمن حدود العراق بشرط ضمان حقوقه المشروعه والتي تم تحديدها والمتفق عليها في الدستور العراقي والمتمثلة بمنح الفدرالية لكردستان من ضمنها المناطق المتنازع عليها بالاحرى المناطق التي انتزعت من كردستان و تعرضت للتعريب القهري ايام عهد صدام وذلك وفق مادة 140 من الدستور ، ولكن مع الاسف لم يدم الامل بالحل طويلا حتى بدأت الفدرالية بالعد التنازلي ، واكثر من ذلك تم قطع رواتب الموظفين جميعا ( قطع الاعناق لا قطع الارزاق ) ولم يقف التجاوزعند هذا الحد بل ذهب الى استخدام القوة واعادة احتلال اكثر من % 50 من كردستان قهرا ، واخذت الطبول تدق للقضاء على الكيان الفدرالي للكرد في العراق ، وبدات ملامح الحكم الصدامي يعود رويدا رويدا في كردستان ولاسيما ظاهرة التعريب مما لايبشر هذا الوضع بالخير .
اما بعد في ظل حديثين شريفين للرسول (صلى الله عليه وسلم ) وهما
( في كل تاخير آفة) و (خير البر عاجله) اقول :-
قضيت من سنوات العمر اكثر من سبعة عقود فعايشت عديدا من العهود بدءا بالعهد الملكي ، وصفقت للملك الفيصل الثاني ايان زيارته لمحافظة السليمانية عام 1957م ، بعد ان اودى الفيضان في هذا العام بحياة الكثير من الناس فضلا عن الخسائر المادية .
– عام 1958م حصل الانقلاب العسكري على الملك فيصل بزعامة عبدالكريم قاسم فانتهى العهد الملكي الى نظام جمهورى احتفل الناس بهذه المناسبة وراوا فيه الخير للجميع ، اهم حدث في هذا العهد هو عودة البارزانيين من روسيا بقيادة المرحوم ملا مصطفى البارزاني : مطالبا الحكومة بمنح الكرد بعض الحقوق المتواضعة ، ولكن عبدالكريم قاسم تمادى عن ذلك بتشجيع ممن حوله من القيادات الاخرى مع كونه متعاطفا مع الكرد ، ساءت الظروف واضطر الكرد الى حمل السلاح لتحميل العراق الى ابداء المرونة ولكن مع الاسف لم تحصل .
– عام 1963م حصل الانقلاب بقيادة البعثيين انتهى عهد قاسم واعتلى عبدالسلام عارف كرسي الحكم ، بعد هدنة طالب البارزانى اجراء مفاوضات لحل المشكلة الكردية ، في وقت كانت مطالب الكرد متواضعة من السهل حلها ولكن بسبب حرص الحكام في الحل العسكري ارتقى مطالب الكرد الى الحكم اللا مركزى مقابل الدماء التي اسيلت ، فشلت المفاوضات واشتدت الحكومة خناقها على الكرد ، واسوأ ما حصل في هذا العهد هوفرض حضر التجول في عموم كردستان منذ الصباح الباكر يوم (9/6/1963 ) واصدار الامر للعسكر بقتل كل من يخرج من بيته ، واخذ الجنود بالدخول في البيوت دون اذن وتفتيش البيت شبرا شبرا والقاء القبض على كل من زاد سنه عن خمسة عشر عاما من الذكور وزجهم في السجون واسطبلات الحيوانات من الحامية العسكرية دون ماء وطعام ، وقتل الكثير من الناس الابرياء لالشيىء الا لانه كردي ، من ابشع قتل قام به احد الضباط لرفض شخص ان يسب المرحوم ملا مصطفى البرزاني .
والسؤال هنا هل اثمرت استخدام القوة وفرض كل الضغوطات لاسكات صوت الحرية؟
كلا والف كلا بل وزاد الطين بلة فسقف مطالب الكرد ارتفع هذه المرة الى الحكم الذاتي لم تنته الثورة تحت كل الضغوطات التي راهن عليه عبدالسلام عارف فانقلب السحر على الساحر ، يقول عليه الصلاة والسلام ( ان الله ليملي الظالم حتى اذا اخذه لم يفلته) ، احترقت طائرته في السماء عندما كان في طريق عودته من زيارة لاحدى الدول يقال : بانه هدد بحرق الحابل والنابل في كردستان بعد عوته من تلك الزيارة ؟ والله خير حافظ وهو ارحم الراحمين .
وبعد وفاة عبدالسلام حل محله اخوه عبدالرحمن هدأت الاوضاع الى حدما كونه انسانا مسالما ، ولكن لم يدم حكمه طويلا وحصل الانقلاب البعثي الثاني .
* عام 1968م حصل انقلاب ابيض على السلطة في بغداد واعتلى احمد حسن البكر كرسي الحكم وكان سنده القوي صدام حسين ، منذ 1964 انشق بعض من اعضاء المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستانى لاختلافات في الاراء بينهم مع القائد المرحوم ملا مصطفى البرزانى ومع الاسف كان لهذا الانشقاق اثره السلبي على الحركة الثورية في كوردستان ولكن لم تتوقف مسيرة الثورة وكانت الانتصارات متواصلة الى ان اضطرت الحكومة طلب المفاوضات من البارزاني انتهت المفاوضات ببيان 11 ئازار عام 1970 بمنح الحكم الذاتي لكردستان ولكن غاية السلطة في العراق ليست الحل السلمي للقضية وانما لاهداف اخرى منها :
1- تضليل بعض النفوس الضعيفة عن طريق المناصب والنقود بالانضمام الى تنظيم حزب البعث في كوردستان ونشر افكارهم.
2- اغتيال ما امكن اغتياله من القيادات السياسية للحزب الديمقاطي الكوردوستاني منها محاولة اغتيال المرحوم ادريس البارزاني حينما كان يتراس وفد المفاوظات في بغداد ونجى باعجوبة ، اصاب في تلك المحاولة عريف حميد ، حصل ذلك في 6/12/1970.
محاولة اغتيال شخص القائد المرحوم ملا مصطفى البرزاني وذلك عن طريق تلغيم ملابس عدد من علماء الدين حوالي عشرة اشخاص دون معرفة هؤلاء بالامر وارسالهم لزيارة البارزاني وانفجارهم بحضور البارزاني في غرفة استظافتهم ، وقد حماه الله ونجى البارزانى وراح البقية من الحضور ضحية تلك المؤامرة النجسة وكان ذلك في 16/6/1972 وتم اغتيال آخرين لسنا بحاجة الى ذكر اسمائهم
3- كان صدام وهو المعني بالامر بحاجة الى بعض الوقت لاعداد الجيش اعدادا جيدا وشراء الاسلحة الفعالة والكافية لحسم الحرب مع الكرد لذلك حددوا مدة تنفيذ مبادىء الحكم الذاتي بخمس سنوات لتطبيق فقرات البيان .
4- التفرغ في الفترة المحددة لتنفيذ مواد اتفاية آذار وهي خمس سنوات لاكمال الاستعدادات العسكرية وفسح المجال لطرفي الصراع الكردي الكردى فيما يسمى حينذاك ب (جلالي وملايي) التقاتل فيما بينهم ، ولكن الذي حصل كان تماما عكس ذلك عاد المرحوم جلال الطالباني وبقية القيادات الاخرى المنشقة عن الحزب الديمقراطي الكردستاني مدركا نية صدام الخبيثة الى صف الحزب بقيادة المرحوم البارزانى وانتهت كل الخلافات بينهما .
مرت اربعة اعوام عجاف دون حصول اي تقدم بالاتجاه الصحيح لحل المشكلة الكردية بتنفيذ بنود اتفاقية آذار ، اخذت طبول الحرب تدق من جديد اواخر عام 974 م ،وحصل ما كنا لا نتمناه ، تحقق الثوار انتصارات تلو الانتصارات ، واخفق العراق في اي تقدم ، التحق بالثورة عشرات الالاف من الافراد والعوائل واعيد بعض المؤسسات كالتربية والاوقاف والجامعة والاذاعة ولكن مع الاسف تعرضت الجامعة للقصف الجوي اودى بحياة عدد من الطلبة ، وبعد ياس صدام الانتصار على الثورةعن طريق القوة لجا الى طريقة اخرى هي توسط امريكا بين العراق وايران عام 975 م في زمن الشاه فعلا نجحت المؤامرة واثمرت التوقيع على اتفاقية الجزائر بحضور كل من صدام وشاه ايران والذي تعهد فيها ايران بقطع كل المساعدات الانسانية والعسكرية ومنع وصول حتى الهواء ان امكن ذلك بطول الحدود مع كوردستان بعمق عشرين كيلومترا وفرض حضر التجول في تلك الحدود مقابل منح عراق لايران ثلاث جزر عراقية من الخليج .
مما اضطرالمرحوم البارزاني حفاظا على حياة الالاف من العوائل بنزع السلاح والكف عن العمليات العسكرية ، واختيارهم في العودة الى العراق او اللجوء الى ايران كان ذلك بندا من اتفاقية الجزائر ، لان ايران كان المصدر الوحيد لكافة المساعدات الانسانية والعسكرية والطبية وغيرها .
ولكن حالة السكوت والسكون وراحة البال لم تدم لصدام واعوانه طويلا حتى علا صوت الثورة من جديد وانتشرت لهيبها في انحاء كوردستان الى عهد الانتفاضة المباركة ، وفي هذه المرة ايضا ارتفع سقف المطالب الى الفدرالية .
وليس هذا بامر عجيب لانه كلما زادت الضحايا وسيل الدماء والخراب والانفال والتدمير واستخدام الاسلحة المحضورة كالاسلحة الكيميائية كلما كان من حق الكرد ان يرفع من سقف مطالبه المشروعة كافة مثل باقي الامم الخرى .
بيت القصيد من رواية ما جرى من ظروف واحداث هو : انه من العبث الاعتماد على القوة والظلم والاستبداد لفرض الارادة على الاخرين و الظلم لا يدوم ، قال الرسول ::الكريم في الحديث القدسي ( اني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرما بينكم فلا تظالموا ) .
والحل في النية الصادقة لا في اللف والدوران لتضليل الاخرين وتمرير الوقت والبحث عن الفرصة لايقاع الاخرين في الفخ .
مرة اخرى اعود الى قولين للرسول العربي صلى الله عليه وسلم
في كل تاخير آفة ….. خير البر عاجله
وهذا جدول مختصر مخطط لعهود واحداث ونتائج لما بعد العهد الملكي وبيان اسباب عدم الاستقرار في العراق .
| العهد | مطالب الاكراد | موقف الحكومة | النتيجة |
| عهد عبدالكريم قاسم | حقوق متواضعة | سلبي | ارتفع سقف المطالب الى اللامركزي |
| عهدعبدالسلام عارف | اللامركزي | سلبي | ارتفع السقف الى الحكم الذاتي |
| عهد بكر وصدام | الحكم الذاتي | سلبي | الفدرالية بعد الانتفاضة |
| عهود ما بعد الانتفاضة | الفدرالية | سلبي | اجراء الاستفتاء (ريفراندوم) والنتيجة %93 يطالب بالاستقلال |
وستنتهي الامر بالدولة الكردية ان لم تسعف العقول والقلوب المتنيرة الوضع بحل المشاكل بين الشعبين الصديقين لبناء افضل العلاقات بينهما ، والله المستعان .
اخيرا وبنية صادقة نقول على قول الشاعر العظيم ( ابو تمام )
يا ليت بيننا والعرب عامر —– وبيننا وبين العالمين خراب
الاصل: ياليت بيني وبينك عامر —– وبيني وبين العالمين خراب
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
. د. عبدالوهاب عبدالله ضروستاني
