2026-03-07

الحوار الكوردي – العربي بين النخبوية والشعبوية

5dde21180d478

هڤال زاخويي/ كاتب وأكاديمي

حينما ندرك التباين الواضح بين مفهومَيْ النخبوية والشعبوية، وما أنتجته النُخَب السياسية والثقافية في البلدان الاقليمية (العراق، تركيا، سوريا، ايران) من رأي عام تجاه الكورد وقضيتهم، سنصل الى النتيجة التي تفيدنا بأنَ هذه النُخَب لم تسهم في أي تحول ايجابي ملحوظ، بل على العكس فقد كان دورها سلبياً وأسهمت في ترسيخ الصورة النمطية تجاه الكورد وقضيتهم القومية بخاصة من خلال أجهزة الاعلام والمنصات التي تُغذي الثقافة الالغائية لدى المتلقي الذي تتأثر سايكولوجيته بسرعة وبساطة بما تبثه المنصات الإعلامية.

        هنا لا بُدَ من الاشارة بأن دور النخبة لا يمكن انكاره فيما يخص الحوار الكوردي العربي على مستوى بعض المؤلفات (غير المعروفة) وكذلك على مستوى العلاقات الشخصية والتنظير المنفصل عن الواقع الى حد كبير ، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا حققت حوارات النخبة على أرض الواقع في هذا الصدد…؟ هذا إذا ادركنا وأخذنا بعين الاعتبار حالة الانفصال -شبه التام عن الجمهور- الذي تعيشه النخب، مع تصورها بأنها فاعلة ومؤثرة… والسؤال الأكثر الحاحاً هو: ماذا حققت هذه النُخب في مسار الجولات العديدة للحوار الكوردي العربي ومنذ أكثر من ثلاثة عقود..؟ هل غيرت رؤية الاعلام العربي الرسمي عموماً للكورد وقضيتهم ؟ هل دشنت لمشروع التعايش والاندماج وقبول الآخر على مستوى الشرائح الشعبية…؟ بحسب رؤيتي فإنَ الجواب معروف وهو: أنها لم تحقق ما هو جديرا بالملاحظة على مستوى الجمهور (كورداً وعرباً) باستثناء بعض التنظيرات التي غدت مواد أرشيفية، والبحث في التاريخ ونمطية العلاقة التاريخية بين الأمتين الكوردية والعربية ودور الكورد واسهاماتهم في الثقافة العربية ، أما فيما يخص تأثيرها على نمطية العلاقة بين الأمتين (على مستوى الفعاليات الاجتماعية  والشعبية) فإنه لا يكاد يُلاحَظ،.

سيكون من غير الموضوعي أن يتصور البعض بأن مستوى العلاقة الحالية بين الشرائح الشعبية للأمتين من نتاج النُخب الثقافية وحواراتها، بل ما نشهده حالياً هو نتاج الثقافة الشعبوية والتي تتميز بالصلاح والنقاء والتلقائية، وغير منفصلة عن هموم الناس وواقعهم، فالسياحة والفن والرياضة والفعاليات الشعبية المتعددة وبخاصة وسائل التواصل الاجتماعي حققت ما لم تحققه حوارات النخب على مدى اكثر من ثلاثة عقود.

إنَ مشكلة النخب الرئيسية في هذا الصدد تكمن في الرؤية، وفي رفضها للشعبوية كمصطلح ثقافي، والاستعلاء عليها، كما هو معروف فإنَ الثقافة الشعبوية مجموعة من القيم والمعتقدات والافكار والممارسات تتبناها مجموعة بشرية ما وتعبر عن نبض الشارع وتعكس الهوية الثقافية للمجتمع كما انها تلعب دورا مهماً في تكوين الرأي العام، وهذه الملامح ظهرت جلياً في موضوع التعايش والتقارب بين الكورد والعرب في العراق على مستوى الجمهور وحققت وتحقق نجاحات ملحوظة على عكس الحوارات النخبوية التي لم تحقق ما حققه جمهور الطرفين(كورداً وعرباً).

لو كانت هناك قواعد بيانات خاصة بما حققته هذه الحوارات النخبوية على المستوى الشعبي لأدركنا بأنها(الحوارات) لم تحقق شيئاً ملحوظاً على مستوى القواعد الشعبية، فعلي سبيل المثال في سوريا، ماذا فعلت وماذا قدمت وكيف أثرت النخب الثقافية العربية -التي شاركت في العشرات من جلسات الحوار الكوردي العربي -على الجمهور العربي السوري، هل تراجع المد الشوفيني؟ هل تغير الخطاب الاعلامي؟ هل نلمس حالة فريدة من التعايش بفضل التأثير النخبوي؟ هذه الأسئلة وغيرها الآن مطروحة أمام النخب السياسية كي تعيد هي النظر في موضوع الحوار الكوردي، هذا الحوار الذي دوماً كان بمبادرات سيساسية كوردية خالصة وعلى المستوى الرسمي، في حين تكاد تلك المبادرات شبه معدومة لدى النخب السياسية العربية على المستوى الرسمي.